السيد الطباطبائي
50
تفسير الميزان
وقد قال تعالى : " الله أعلم حيث يجعل رسالته " ( الانعام : 124 ) . فالجملة أعني قوله : " وإن لم تفعل فما بلغت " ( الخ ) ، إنما تفيد التهديد بظاهرها وتفيد إعلامه عليه السلام وإعلام غيره ما لهذا الحكم من الأهمية وأن الرسول معذور في تبليغه . قوله تعالى : " والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدى القوم الكافرين " قال الراغب : العصم ( بالفتح فالسكون ) الامساك والاعتصام الاستمساك - إلى أن قال - والعصام ( بالكسر ) ما يعتصم به أي يشد ، وعصمة الأنبياء حفظه إياهم أولا بما خصهم به من صفاء الجوهر ، ثم بما أولاهم من الفضائل الجسمية والنفسية ، ثم بالنصرة وبتثبيت أقدامهم ، ثم بإنزال السكينة عليهم وبحفظ قلوبهم وبالتوفيق قال تعالى : " والله يعصمك من الناس . والعصمة شبه السوار ، والمعصم موضعها من اليد ، وقيل للبياض بالرسغ عصمة تشبيها بالسوار ، وذلك كتسمية البياض بالرجل تحجيلا ، وعلى هذا قيل : غراب أعصم ، انتهى . وما ذكره من معنى عصمة الأنبياء حسن لا بأس به غير أنه لا ينطبق على الآية " والله يعصمك من الناس ، بل لو انطبق فإنما ينطبق على مثل قوله : " وما يغرونك من شئ وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما " ( النساء : 113 ) . وأما قوله : " والله يعصمك من الناس فإن ظاهره أنها عصمة بمعنى الحفظ والوقاية من شر الناس المتوجه إلى نفس النبي الشريفة أو مقاصده الدينية أو نجاح تبليغه وفلاح سعيه ، وبالجملة المعنى المناسب لساحته المقدسة . وكيف كان فالمتحصل من موارد استعمال الكلمة أنها بمعنى الامساك والقبض فاستعماله في معنى الحفظ من قبيل استعارة اللازم لملزومه فإن الحفظ يلزمه القبض . وكان تعليق العصمة بالناس من دون بيان أن العصمة من أي شأن من شؤون الناس كتعدياتهم بالايذاء في الجسم من قتل أو سم أو أي اغتيال ، أو بالقول كالسب والافتراء أو بغير ذلك كتقليب الأمور بنوع من المكر والخديعة والمكيدة وبالجملة